محمد هادي معرفة

379

التفسير الأثري الجامع

نعم ، المؤمن عائش بين حالتي الخوف والرجاء ، فلا الخوف يؤيسه ولا الرجاء يغرّه ، بل هو ماض على بركة اللّه ورجاء رحمته الواسعة ، متحذّرا سخطه تعالى في جميع لحظات حياته . ما دامت النفس تعمل في الانجراف به ، لولا فضل اللّه على عباده المؤمنين . وبعد فإنّ قوله تعالى : أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ يعني : حالة المؤمن طيلة حياته ، يعيش على رجاء ولا يأمن مكر اللّه ، حيث إنّ أعماله الّتي يقوم بها من حسنات - إذا لم يشبها سيّئات - فإنّها على حدّ مقتضيات للنيل من سعادة الحياة ، وليست عللا تامّة - على حدّ تعبيرهم - . فلا موجب للقطع بالمثوبة عليها ما دام الشيطان على رصد . إلّا من عصمه اللّه وعاش في كنفه تعالى حتّى توفّاه اللّه بسلام . قال الفخر الرازي : ليس المراد أنّه تعالى شكّك عباده في حصول الغفران ، بل وصفهم بأنّهم سوف يردّون على اللّه خاشعين مستقصرين لأنفسهم في جنب اللّه ، خوف أن لم يعبدوه حقّ عبادته ولم يطيعوه حقّ طاعته ، فيقدمون على اللّه على طرفي خوف ورجاء . كما قال تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ « 1 » « 2 » . كلام عن الحبط والتكفير والموازنة « 3 » قوله تعالى : فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ الإحباط : « 4 » محق حسنة بسيّئة لا حقة إطلاقا ، سواء أكانتا متساويتين أم فضلت إحداهما على الأخرى ، وسواء أكانت الفاضلة هي الحسنة أم هي السيّئة المتأخّرة ، حتّى وإنّ سيّئة واحدة لا حقة لتبطل بها حسنات جسام .

--> ( 1 ) المؤمنون 23 : 60 . ( 2 ) التفسير الكبير 6 : 39 . ( 3 ) بحث استوفيناه في الجزء الثالث من التمهيد / 332 - 368 ، فجاء هنا مع بعض التعديل . ( 4 ) مأخوذ من « الحبط » - بفتحتين - وهو الفساد والهلاك . وأصله من حبط البعير ، إذا أكثر من أكل « الحندقوق » حتّى انتفخ بطنه وأفسد عليه الأكل . واسم هذا الداء « الحباط » - بالضمّ - . واستعمل في كلّ ما فسد وذهب أثره باطلا ، يقال : حبط دم القتيل إذا هدر . أو حبط عمله إذا ذهب سدى . وحبط ماء البئر إذا غار فلم يعد .